فصل: مسألة الرجل يأتي بشهداء عدول على الرجل في حق فيجرحهم الآخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة شهد عليه رجال بحق فحلف بالطلاق إن كانوا شهدوا علي بحق وإنه لباطل:

كتاب الشهادات الأول من سماع ابن القاسم عن مالك بن أنس من كتاب أوله قطع الشجر قال: أخبرنا سحنون، عن ابن القاسم، عن مالك، أنه قال فيمن شهد عليه رجال بحق فحلف بالطلاق إن كانوا شهدوا علي بحق، وإنه لباطل، قال: لا يفرق بينه وبينها، فإن شهد عليه غيرهم طلقت عليه امرأته، قال ابن القاسم: وأصل قول مالك في هذا أن من حلف تكذيبا للشهود سموا أو لم يسموا، ثم شهدوا أنه لا يلزمه ذلك الطلاق، مثل أن يقال له: إن فلانا وفلانا يشهدان عليك، وإن ثم شهودا يشهدون عليك، فيقول: امرأته طالق البتة إن شهدوا علي إلا بزور، وإن لم تكن شهادتهم باطلا، أو كذبوا علي في شهادتهم، ثم شهدوا فلا شيء عليه، وإن شهدوا فقال هذا القول بعدما شهدوا فلا شيء عليه، فأما أن يقول امرأتي طالق البتة إن كنت تسألني حقا أو إن كنت شربت خمرا، ولا فعلت كذا وكذا، مثل أن يقول: لم أدخل دار فلان ولم أكلم فلانا، ثم شهد عليه قوم أنه فعله حنث.
قال ابن القاسم: قال لي مالك: ولو أنه أقر أنه فعل شيئا من ذلك عند نفر ثم حلف بطلاق امرأته البتة إن كان فعله دين ولم يكن عليه طلاق، ولو أنه أقر أنه حلف بطلاق امرأته على شيء ألا يفعله، ثم شهد عليه أنه قد فعله، ثم زعم أنه قد كذب بما أقر به طلق عليه ولم يصدق، ولو شهد عليه نفر في حق فحلف بعدما شهدوا أن امرأته طالق إن كان له علي شيء لم يلزمه طلاق، قال ابن القاسم: لأن يمينه هاهنا بعدما شهدوا تكذيبا للشهادة، وسمعت مالكا يقول: ولو سئل عن أمر ذكر له أنه حلف فيه بالطلاق ألا يفعله، وقد رئي يفعله فجحده ثم أقر بعد ذلك أنه قد كان قاله، يريد الذي قال إني قد كنت حلفت، لزمه الطلاق.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل صحاح كلها، وأصلها في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة وتكررت في رسم يشتري الدور والمزارع للتجارة من سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق بزيادة اليمين في الموضع الذي يدين فيه منها، ومثله في المدونة ولا اختلاف في شيء أحفظه منها.
وتلخيصها أن اليمين على الفعل بالطلاق كان ببينة أو بإقرار إذا تقدم على الإقرار بالفعل أو الشهادة عليه به طلقت عليه امرأته، وإن تقدم الإقرار بالفعل أو الشهادة به عليه على اليمين كان ببينة أو بإقرار لم تطلق عليه، والفرق بين أن يتقدم اليمين على الفعل، أو الفعل على اليمين، هو أن اليمين إذا تقدم ببينة أو بإقرار فقد لزم حكمه، ووجب ألا يصدق في إبطاله، وإذا تقدم الفعل بيمينه أو بإقرار لم تثبت اليمين بتكذيب ذلك حكما إذا لم يقصد الحالف إلى إيجاب حكم الطلاق الذي حلف به على نفسه، وإنما قصد إلى تحقيق نفي ذلك الفعل، وبالله التوفيق.

.مسألة شهادة الأخ لأخيه في الفرية:

قال مالك: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في الفرية، ولا في الحد وأشباه ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد بالفرية هاهنا الفرية التي لا توجب الحد وإنما توجب الأدب، مثل أن يقول له: يا سارق أو يا شارب الخمر أو يا آكل الربا وما أشبه ذلك، بدليل قوله: ولا في الحد، يريد بالحد مثل أن يقذف في بدنه أو ينفى عن أبيه، وإن كان ليس بأخيه لأبيه، قال في رسم أول عبد ابتاعه من سماع يحيى: أو يقذف أمه وإن كان ليس بأخيه لأمه، ومعنى ذلك إذ قام بحدها إما بعد موتها وإما في حياتها بتوكيلها، وكما لا تجوز شهادته له في الحدود لا تجوز في نفيها عنه، مثل أن يشهد عليه أنه قذف رجلا فشهد هو أن ذلك الرجل عبد أو ما أشبه ذلك، ويريد بقوله: وأشباه ذلك ما يشبه في وقوع الحمية فيه والتهمة بالعصبية، مثل أن يجرح عمدا.
قال في الرسم المذكور من سماع يحيى أو يقتل، يريد عمدا وإن كان له أولاد فكان إنما يشهد لهم؛ لأن القتل مما تقع فيه الحمية، وأجاز أشهب في سماع زونان شهادة الأخ لأخيه في الجراح خطئها وعمدها، وإذا أجازها في جراح العمد ولم يراع ما يقع في ذلك من الحمية فيلزم على قياس قوله إجازتها في الحدود والقتل، وأما جراح الخطأ وقتل الخطأ فتجوز شهادته له في ذلك؛ لأنه مال ولا اختلاف في جواز شهادته له في الحقوق والأموال وإن عظمت، إذا لم يكن الشاهد منهما لأخيه في عيال المشهود له، ولا يضر أن يكون المشهود له في عيال الشاهد، وقيل: إذا كان مبرزا في العدالة وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل: إذا كان جائز الشهادة لا بأس بحاله وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، ولم يفرقوا في شهادته له بالمال بين أن يكون أبواه حيين أو لا يكونا حيين، والذي يأتي على قياس قول ابن القاسم في أنه لا تجوز شهادة الرجل لزوجة ابنه، ولا لزوجة أبيه، ولا لابن زوجته، ولا لأبيها، ولا تجوز شهادته له إذا كان أبواه حيين أو أحدهما، أو أبوه إذا كان أخاه لأبيه، أو أمه إذا كان أخاه لأمه؛ لأنه يجر بذلك نفعا إلى أبويه، أو إلى أحدهما فيها فيدخل عليهما من السرور بالشهادة لابنهما، وهذا هو المعنى عنده في أنه لا تجوز شهادته لابن زوجته ولا لأبيها ولا لزوجة ابنه، خلاف مما ذهب إليه سحنون على ما يأتي من اختلاف قولهما في ذلك في رسم جاع من سماع عيسى.
وأجاز ابن القاسم شهادته له في النكاح، ومنع من ذلك سحنون إذا نكح إلى من يتزين بنكاحه إليهم، وهو يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وإلى هذا ذهب ابن دحون، وخالفه غيره في ذلك وذهب إلى أنه خلاف له، قال: لأنه يشهد له في المال وهو مما يشرف به، وليس بصحيح؛ لأنه لا يشرف هو بشرف أخيه بالمال ويشرف بشرفه بالنكاح، هذا مما لا يخفى الوجه به.
واختلف في تعديله ونفي التجريح عنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعدله ويجرح من جرحه وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم ومن قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة.
والثاني: أنه لا يعدله ولا يجرح من جرحه، وهو قول ابن نافع وأشهب وأصبغ وأحد قولي ابن الماجشون.
والثالث: أنه يعدله ولا يجرح من جرحه وهو قول ابن الماجشون في الواضحة، واختيار ابن حبيب.
وهذا إذا جرح بالإسفاه، وأما إذا جرح بالعداوة فيجوز أن يجرح من جرحه بها.
قال ذلك سحنون في نوازله، وهو صحيح على مذهب من يجيز تعديله، وبالله التوفيق.

.مسألة سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها:

قال مالك، فيمن سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها، وقال: كل شهادة أشهد بها بين فلان وفلان فهي باطل، ثم شهد بها بعد ذلك بينهما، قال: يسأل لم قال ذلك؟ فإن قال: كنت مريضا فخشيت ألا أكون أثبت ما أشهد به وما أشبه هذا من القول الذي له وجه يعرف، فأرى أن تجوز شهادته إذا كان عدلا لا يتهم.
قال القاضي: قوله إذا كان عدلا لا يتهم معناه إذا كان عدلا مبرزا في العدالة.
وهذا إذا كان إنما سئل في مرضه عن الشهادة لتنقل عنه إلى الحكم أو ليشهد على شهادته بها تحصينا لها، وكذلك إذا سئل عنها عند الحكم ليشهد بها فأنكرها، وقال: لا علم عندي منها، ثم جاء يشهد على ما في رسم الكبش من سماع يحيى.
وأما لو لقيه الذي عليه الحق فقال له: بلغني أنك تشهد علي بكذا، فقال: لا أشهد عليك بذلك ولا عندي منه علم، وإن شهدت به عليك فشهادتي باطلة، ثم جاء فشهد، لم يقدح ذلك في شهادته ولم يضرها، وإن كان على قوله بينة، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وهو يحمل على التفسير لقول مالك هذا، ولقول ابن القاسم في سماع يحيى.
والفرق بين الموضعين أن له أن يقول في الوجه الثاني إنما قلت ذلك معتذرا ولم أزل عالما بما شهدت به، وفي الوجه الأول لا عذر له فيما أقر به على نفسه من الجهل بالشهادة فوجب أن تبطل شهادته، إلا أن يأتي بأمر يشبه من أنه تذكر الشهادة بعد ذلك، وأنه خشي ألا يقوم بها في مرضه فيصدق في ذلك إذا كان مبرزا في العدالة، وكذلك إذا زاد في شهادته أو نقص منها بعد أن شهد بها لا تجوز شهادته إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وهذه إحدى المسائل الست التي يشترط فيها التبريز في العدالة على مذهب ابن القاسم.
والثانية: شهادة الأخ لأخيه.
والثالثة: شهادة الأجير لمن استأجره إذا لم يكن في عياله.
والرابعة: شهادة المولى لمن أعتقه.
والخامسة: شهادة الصديق الملاطف لصديقه.
والسادسة: شهادة الشريك المفاوض لشريكه في غير مال المفاوضة.
وسيأتي في أول رسم الكبش من سماع يحيى القول على الذي يزيد في شهادته أو ينقص منها قبل الحكم بها أو بعد ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى.

.مسألة أقر الشاهد ببطلان شهادته:

قيل لسحنون: أرأيت رجلا شهد عليه رجل فلقيه المشهود عليه فقال: بلغني أنك شهدت علي بكذا وكذا، فقال له الشاهد: إن كنت شهدت عليك بذلك فأنا فيه مبطل. وقد كان شهد بذلك، هل ترى شهادته ساقطة؟
قال: أرى هذا رجوعا إذا كان على قوله بينة، وتسقط شهادته، ولا تجوز ولا يثبت بها شيء إذا كان رجوعه قبل القضاء، وإن كانت هذه المعاملة منه بعد القضاء ضمن ما استهلك من المال.
قال محمد بن رشد: حكى ابن حبيب في هذه المسألة عن مطرف وابن الماجشون وأشهب وأصبغ أن قوله هذا لا يضره في شهادته ولا يكون رجوعا عنها، وإن كانت عليه بينة إلا أن يرجع عن شهادته رجوعا بينا، كما إذ قال ذلك له قبل أن يشهد لما وقفه على ما بلغه عنه من أنه يريد أن يشهد عليه، ووجه ما حكاه عنهم أن قوله لما كان محتملا أن يكون أراد به تكذيب نفسه في الشهادة والرجوع عنها، وأن يكون لم يرد به شيئا من ذلك، وإنما قاله معتذرا وجب ألا يبطل الحاكم شهادته إلا بيقين، ولم يجب عليه أن يسأله هل أراد بذلك الرجوع عن شهادته أم لا؟ إذ لو أراد ذلك لفعله، إذ لا ضرر عليه فيه؛ لأنه لا يضمن إذا رجع قبل نفوذ الحكم، ولم يصدقه سحنون أنه أراد بذلك الاعتذار، وجعله رجوعا يريد بعد الإعذار إلى المشهود له في البينة التي شهدت عليه بذلك القول، ولو شهد عليه أنه قال ذلك ابتداء دون أن يعاتب على الشهادة لكان ذلك رجوعا عنها باتفاق بعد الإعذار إلى المشهود له إن كان قبل الحكم، وإلى الشاهد إن كان ذلك بعد الحكم؛ لأنه ضامن، والحكم ماض على قوله في هذه الرواية، وفي المدونة خلاف ما في أول رسم من سماع عيسى من أنه لا يضمن إذا شبه عليه ولم يتعمد الزور، وسيأتي القول على ذلك هنالك إن شاء الله، وبه التوفيق.

.مسألة رجل طلب من رجل حقا له عنده فشهد له رجل به وأنه حميل به:

وقال مالك: لو أن رجلا طلب من رجل حقا له عنده فشهد له رجل أنه ظل يسأله ذلك الحق وأنه حميل به، رأيت شهادته غير جائزة، ولا يبطل ما أقر به من الحمالة، ويغرم ما أقر به الحميل، قال ابن القاسم: إن كان هذا المدعي قبله الحق مليا جازت شهادة الحميل، وإن كان عديما لم تجز شهادة الحميل، وإنما بطلت شهادته لأن الحميل إذا غرم المال أعديناه عليه، فكانت تهمة.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في جواز شهادة الحميل بالدين الذي أقر أنه تحمل به جار على اختلافهم في لزوم الحمالة له، إذا كان الذي عليه الدين منكرا، وقد اختلف في ذلك، فقيل: تلزمه الكفالة ويجب عليه الغرم ولا يكون له أن يرجع على الغريم إلا أن يثبت عليه الدين، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى عنه من كتاب الكفالة والحوالة، فعلى هذا إن شهد الحميل بالدين لم تجز شهادته؛ لأنه يشهد لنفسه ليسقط عنه الغرم، أو ليرجع على الغريم بما غرم، وهو قول مالك في هذه الرواية.
وقيل: إنه لا تلزمه الكفالة لإنكار الذي عليه الدين، وقد تأول ذلك على ما في كتاب الكفالة من المدونة وليس هو عندي بتأويل صحيح، فعلى هذا القول إن شهد الحميل بالدين جازت شهادته، إذ لا يجر إلى نفسه بها منفعة، بل يوجب عليها مضرة، وهي لزوم الحمالة له، وهي رواية أشهب عن مالك، وقيل: تلزمه الكفالة، ولا يؤخذ بها إلا في عدم الغريم، بمنزلة أن لو كان مقرا على ما اختاره ابن القاسم من قولي مالك في ذلك، فعلى هذا إن شهد الحميل بالدين جازت شهادته إن كان الغريم مليا، ولم تجز إن كان معدما، وهو قول ابن القاسم في الرواية، وقد تأول على ما في سماع عيسى من كتاب الكفالة والحوالة، أن الحوالة لا تلزمه وإن أقر الغريم بالحق حتى يثبت عليه، وأقامه بعض الناس من قوله في المدونة إذا أثبت ما بايعه به في مسألة من قال أنا ضامن لما بايعت به فلانا، وذلك كله عندي غير صحيح؛ لأنها مسائل مفترقة لا اختلاف من القول، فإذا قال الرجل أنا كفيل لفلان بمائة دينار له على فلان، وفلان منكر لزمه غرم المائة، وقيل: لا يلزمه غرمها إذا كان منكرا.
وقيل: يلزمه غرمها إذا كان معدما وإن كان منكرا، وإذا قال الرجل: لي على فلان مائة دينار، فقال له رجل: أنا لك بها كفيل، لم يلزمه غرمها بالكفالة إلا أن يقر بها المطلوب قولا واحدا، وإذا قال الرجل: لي على فلان حق، فقال له الرجل: أنا لك به كفيل، فقال المطلوب له: على مائة دينار لم يلزم الكفيل غرم المائة دينار بالكفالة إلا أن تثبت المائة على المطلوب بالبينة قولا واحدا أيضا، بمنزلة من قال لرجل: أنا ضامن لما بايعت به فلانا، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة والله الموفق.

.مسألة شهادة الوارث في العتاقة والصدقة:

قال عبد العزيز بن أبي سلمة في شهادة الوارث في العتاقة والصدقة: إنها جائزة في حصته منها، وإن كان عدلا جازت شهادته على من تصدق به عليه، فأما العتق فلا يحلف فيه ولا يقوم عليه، قال ابن القاسم، وقال مالك: لا يعتق منه شيء إلا أن يشتريه فيعتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن العتق لا يحلف فيه العبد مع الذي شهد له بالعتق من ورثة سيده؛ لأن العتق لا يكون فيه شاهد ويمين، وقد اختلف فيما يلزم الشاهد في حظه من العبد إذا لم تجز شهادته لانفراده بها، أو لكونهما إن كانا اثنين غير جائز في الشهادة، أو متهمين في شهادتهما بجر الولاء إلى أنفسهما دون من يرث الميت ممن لا ولاء له على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يعتق عليه حظه منه، ويستحب له أن يبيعه فيجعله في عتق، فإن ملك العبد يوما ما عتق عليه إن حمله الثلث، أو كانت الشهادة في الصحة، وهو قول مالك هاهنا وفي المدونة.
والثاني: أنه يعتق عليه حظه منه، وهو قول عبد العزيز بن أبى سلمة هاهنا، وقول المغيرة قرب آخر نوازل سحنون.
والثالث: أنه يعتق عليه حظه منه، ويقوم عليه حظوظ أشراكه فيه، وهو الذي يأتي على قول أصبغ في نوازله في الرجلين يشتريان العبد من الرجل ثم يشهد أحدهما على البائع أنه قد كان أعتقه، ولكل قول منها حظ من النظر، فوجه قول مالك أن العتق لا يصح تبعيضه للضرر الداخل في ذلك على العبد وعلى الأشراك فيه، فإذا لم يلزم أن يقوم على الشاهد نصيب أشراكه إذ ليس بمعتق لحظه وإنما هو شاهد على غيره وجب ألا يعتق عليه حظه لِمَا في ذلك من الضرر بالعبد وسائر الورثة.
ووجه قول عبد العزيز والمغيرة أن الحر لا يحل ملكه لمن علم أنه حر وهو مقر أن حظه من العبد حر، فوجب أن يعتق عليه، إذ لا يحل ملك الحر، ولم يلزم أن يقوم عليه بقيته إذ ليس بمعتق، وقول عبد العزيز على قياس القول بأن من أعتق حظه من عبد يقوم عليه حظ شريكه على أن نصفه حر، ووجه قول أصبغ أنه متهم في شهادته على أنه إنما أراد أن يعتق حظه من العبد، ولا يقوم عليه بقيته، والاختلاف في وجوب تقويم حظوظ أشراكه عليه جار عندي على اختلافهم في الولاء لمن يكون؟ هل له أو للمشهود عليه؟ وأما شهادة الوارث على الميت بالصدقة فلا اختلاف في أنها لازمة له في حظه إن كان مالكا لأمر نفسه، وجائزة على سائر الورثة للمتصدق عليه إن كان جائز الشهادة، يحلف معه ويستحق جميع الصدقة على ما قاله عبد العزيز.
ومعنى قوله: وإن كان عدلا جازت شهادته على من تصدق به عليه، أي جازت شهادته لمن تصدق به عليه، فحلف معه واستحق صدقته، والعرب قد تبدل حروف الخفض بعضها من بعض، فعلى هذا يخرج هذا اللفظ، والله تعالى هو الموفق المعين بفضله.

.مسألة شهادة البدوي للحضري في الحقوق والجراح:

ومن كتاب القبلة:
وقال في شهادة البدوي للحضري في الحقوق والجراح: أما في الحقوق فإني لا أراها جائزة، وذلك أن الناس لم يتركوا أن يتوثقوا لأنفسهم ويشهدون العدول، والذي يشهد بدويا ويترك جيرانه من أهل الحاضرة عندي مريب، وأما الجراح فإني أرى إن كان البدوي عدلا أن تجوز شهادته، وذلك لأن الجراح تلتمس لها الخلوة وموضع غير أهل العدل من الشهداء، ولا يستطيع من أصابه ذلك أن يحضر لذلك شهداء، فهذا موضع لشهادته، قال ابن القاسم: وتجوز شهادتهم- يريد: أهل البادية- في رؤية الهلال إذا كانوا عدولا.
وسئل مالك: عن قروي خرج إلى بادية فسكن فيها معهم، قال: إذا كان قد انقطع إليهم وسكن معهم فأرى شهادتهم له جائزة، فقيل له: إنه في معدن، فقال: أين أهل ذلك المعدن؟ فقال: انتقلوا وانقطع نيله وسكنه الأعراب، قال: إذا كان ذلك المعدن بهذه الحال فشهادتهم جائزة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أن أهل البادية لا تجوز شهادتهم فيما يقصد إلى إشهادهم عليه دون أهل الحاضرة فيما يقع في الحاضرة من المبايعات والمناكحات والهبات والأكرية والإجارات والوصايا والعتق والتدبير وما أشبه ذلك؛ لأن القصد إلى إشهادهم دون أهل الحاضرة ريبة، فلا شهادة للبدوي في الحضر على حضري ولا على بدوي لحضري إلا في الجراح والقتل والزنا والشرب والضرب والشتم، وما أشبه ذلك مما لا يقصد إلى الإشهاد عليه، وتجوز شهادتهم فيما يقع في البادية من ذلك كله على الحضري، والبدوي للحضري والبدوي إذا كانوا عدولا لا ريبة في القصد إلى شهادتهم في البادية.
هذا تحصيل القول في هذه المسألة على معنى هذه الرواية مما حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وغيرهما من أصحاب مالك وعن مالك أيضا، فعلى هذا الأصل لو حضر أهل البادية شيئا مما يقع في الحاضرة بين أهلها وغيرهم من المعاملات وغيرها دون أن يحضروا لذلك أو يقصد إلى إشهادهم فشهدوا بما حضروه لجازت شهادتهم إذا كانوا عدولا، وقد وقع في المبسوطة من رواية ابن القاسم عن مالك، وقول ابن وهب من رأيه خلاف هذا، أنه لا تجوز شهادة البدوي على الحضري لما في ذلك من الظنة والتهمة، يريد والله أعلم إذا شهد على حضري لبدوي مثله في شيء من الأشياء كان في الحاضرة أو البادية.
قال ابن وهب فيها: وقد اختلف في شهادة الحضري على البدوي، فرأى قوم أنها لا تجوز، وأنا أرى أنها جائزة، إلا أن يدخلها ما دخل شهادة البدوي على الحضري من الظنة فلا تجوز حينئذ، ومن الدليل على هذا القول ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تجوز شهادة البدوي على القروي».
وقد قال بعض من أجاز شهادته عليه، وصحح الحديث: معناه في أهل البادية الذين لا يجيبون إذا دعوا، وليسوا على شرط أهل العدالة من أهل الحاضرة، وليس ذلك ببين، إذ لو كان معنى الحديث هذا، لقال فيه لا تجوز شهادة البدوي مطلقا.
ومن هذا المعنى شهادة العالم على العالم، وقع في المبسوطة من قول عبد الله بن وهب لا تجوز شهادة القارئ على القارئ؛ لأنهم أشد الناس تحاسدا وتباغيا، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار.

.مسألة غلام بالبادية ادعى على سيده الميت التدبير وأقام شهودا من البادية:

ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق:
وسئل مالك: عن رجل كان يتجر في البادية فهلك بها، فقام غلام له كان معه فادعى التدبير، وأقام شهودا من البادية، فقال: إذا كانوا عدولا جازت شهادتهم.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال وهو مما لا اختلاف فيه، وقد مضى في المسألة التي قبل هذه بيان ذلك، فلا معنى لإعادته، بالله التوفيق.

.مسألة الرجل يأتي بشهداء عدول على الرجل في حق فيجرحهم الآخر:

ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك: عن الرجل يأتي بشهداء عدول على الرجل في حق، ويأتي المشهود عليه بشهود على الذين شهدوا عليه أنه بينه وبينهم عداوة فترد شهادتهم عنه، أفترى أن يحلف؟ قال: إذا ردت شهادتهم فهم بمنزلة من لم يشهد عليه، وكأنه رأى أن لا يحلف، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك في هذه الرواية البينة إذا سقطت بالتجريح شبهة توجب اليمين كالخلطة، ومثله في رسم العتق من سماع عيسى في نوازل سحنون، وقد قيل: إن ذلك آكد من الخلطة فيجب عليه به اليمين، ذكر ذلك ابن أبي زيد في المختصر، وبه قال أبو بكر بن محمد، والاختلاف في هذا عندي جار على اختلافهم في الخلطة هل لا تثبت إلا بما ثبت به الحقوق من شاهدين أو شاهد وامرأتين أو يجتزأ فيها بالشاهد الواحد والمرأة الواحدة حسبما مضى القول فيه في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق.

.مسألة شهد عليه وبينهما عداوة فاحتاج أهل الشهادة إليها فأخبرهم أنه عدو له:

وسئل مالك: عن رجل شهد على رجل بينه وبينه عداوة فاحتاج أهل الشهادة إليها فأخبرهم أنه عدو له، قالوا: فإنا نحب أن تشهد لنا، قال مالك: فإني أرى أن يشهد ويخبر مع شهادته بعداوته إياه لا يكتم ذلك.
قال القاضي: هذا مثل ما في رسم من سماع عيسى، خلاف ما في سماع سحنون ونوازله.
وأصح القولين في النظر أنه لا يجوز له أن يخبر بعداوته إياه؛ لأنه يجرح بذلك نفسه فتسقط شهادته، ويبطل حق ما يعلم صحته، ووجه القول الأول: أنه لا ينبغي له أن يقر الحكم بإعمال شهادة من لا تجوز شهادته، وهو ضعيف، وبالله التوفيق.

.مسألة تنازعا في شيء يظنانه لهما وكل واحد منهما يظنه لنفسه:

وقال في الرجلين يدعيان الشيء فيقول أحدهما: قد رضيت بشهادة فلان بيني وبينك، فيشهد الرجل على أحدهما، فيقول المشهود عليه: ظننت أنك تقول الحق الذي تعلم أنه الحق، فأما إذ شهدت علي بغير الحق فلا أرضى فذلك له، والشهادة غير جائزة.
قال سحنون: وقال ابن دينار: إذا تنازع رجلان في شيء يظنانه لهما، وكل واحد منهما يظنه لنفسه من غير يقين، فيسألان الرجل فيشهد أنه لأحدهما، قال: ذلك جائز ولا يشبه ذلك مسألة مالك وهو الذي تعلمناه.
قال محمد بن رشد: حكى ابن عبدوس عن ابن كنانة نحو قول ابن دينار إنه إن كان نازعه في شيء ليس عنده علم مثل حدود أرض، أو دين على أبيه، أو ما أشبه ذلك، قال له: فلان يشهد لي، فقال: إن شهد لك فقد رضيت، فشهد لزمه، وإن كان نازعه في قول قاله، أو فعل فعله، زعم صاحبه أن فلانا رآه حين فعله أو سمعه حين قاله، فقال له: إن شهد علي فلان بذلك فقد رضيت على وجه التبكيت له والإنزاه عن الكذب، كالقائل: إن فلانا لا يقول ذلك فشهد عليه بذلك لم يلزمه.
وقال ابن القاسم في المبسوطة: لا يلزمه ذلك في الوجهين، وهو قول عيسى بن دينار، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عنه، وعن ابن الماجشون وأصبغ، وعليه يأتي ما في رسم يوصي من سماع عيسى من هذا الكتاب على ما نتأوله عليه إذا وصلنا إليه إن شاء الله، وحكى عن مطرف: أن له أن ينزع عن الرضا به ما لم يشهد، فإذا شهد عليه لم يكن له أن ينزع، ولزمه ما شهد به عليه، قال: وسواء نفر إليه لعلمه بما جهلاه مما اختصما فيه، أو لمعرفته بحدود ذلك إن كانت أرضا أو على أي وجه نفر إليه ما لم يكن على وجه التبكيت لصاحبه والتنزيه للشاهد عن الكذب.
والذي يتحصل في هذه المسألة أنه إن قال ذلك على وجه التبكيت لصاحبه والإنزاه للشاهد عن الكذب فلا اختلاف في أنه لا يلزمه ما شهد به عليه، وإن لم يقل ذلك على وجه التبكيت، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يلزمه ما شهد به عليه كان يحقق علم ما نازع فيه خصمه من ذلك أو لا يحققه إلا أن يحكم به عليه مع شاهد آخر أو مع يمين المدعي، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون وأصبغ وعيسى بن دينار.
والثاني: أنه يلزمه ما شهد به عليه نازعه فيه خصمه، ولا يلزمه إن كان يحقق معرفة ذلك، وهو قول ابن دينار وابن كنانة، واختيار سحنون هذا، وقوله في آخر نوازله: وسواء كان الشاهد في هذا كله عدلا أو مسخوطا أو نصرانيا، وقد قيل: لا يلزم الرضا بشهادة النصراني، بخلاف المسخوط، وإذا لم يتبين من صورة تراجعهما التبكيت من غير التبكيت فهو فيما نازعه فيه من قول قاله، أو فعل فعله محمول على التبكيت حتى يتبين منه الرضا بقوله، والتزام الحكم به على نفسه على كل حال، وفيما نازعه من حدود أرض أو دين على أبيه أو ما أشبه ذلك محمول على غير التبكيت حتى يتبين منه التبكيت.
ولا اختلاف في أن له أن يرجع على الرضا بقوله في جميع الوجوه قبل أن يشهد، وذلك بخلاف الرضا بالتحكيم في الوجهين، إذ لا يختلف في أنه ليس لواحد منهما أن ينزع بعد الحكم، ويختلف هل يكون لمن شاء منهما أن ينزع قبل الحكم؟ فقال مطرف: له النزوع قبل الحكم، وقال ابن الماجشون وأصبغ عن ابن القاسم: ليس ذلك له، ولا يجوز أن يحكم النصراني ولا الصغير الذي لا يعقل، واختلف في العبد والمرأة والمسخوط والمولى عليه، والصغير الذي يعقل، فأجاز أصبغ تحكيمهم كلهم، ومنع مطرف من تحكيمهم كلهم، وأجاز ابن الماجشون في أحد قوليه تحكيم المرأة والعبد منهم، وكذلك المولى عليه على قياس قوله، وأجاز أشهب تحكيم المرأة والعبد والمولى عليه والمسخوط. فلمن يصح تحكيمه- على مذهب مطرف- سبعة أوصاف، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والعدالة، والذكورية، وعدم الولاية.
وعلى مذهب أصبغ وصفان، وهما: العقل، والإسلام. وعلى مذهب أشهب ثلاثة أوصاف وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام. وعلى مذهب ابن الماجشون أربعة أوصاف، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والعدالة.
ومن معنى هذه المسألة أعني مسألة الرضا بشهادة الشاهد مسألة رسم العتق من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب في الذي يوصي أن ما شهد به عليه ابنه من دين أو شيء فهو فيه مصدق، وسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله.